الجمعة  19 تموز 2024

في زمن الطوفان.. جورج عبد الله يعود إلى لبنان

2024-07-02 10:06:14 AM
في زمن الطوفان.. جورج عبد الله يعود إلى لبنان
جورج عبد الله

فداء عبد الفتاح: نجزم بأن جورج عبد الله لن يتحرر إلا عبر المقاومتين الفلسطينية واللبنانية

روبير عبد الله: طوفان الأقصى غيّر موازين القوى في المنطقة والاحتلال وداعموه لم يعودوا أصحاب الكلمة الفصل وهو ما انعكس على قضية جورج

تدوين- سوار عبد ربه

استطاعت المقاومة الفلسطينية في السابع من تشرين الأول الماضي، أن ترسي منهجا جديدا لمفهوم الزمن، هذا الذي لا قدرة لأحد على التحكم فيه، فمنذ اندلاع طوفان الأقصى، ونحن نعيش في زمن المقاومة، وليس هذا بمفهوم شعاراتي نحمله كفلسطينيين هنا وهناك، رغبة منا في تأكيد انتصارنا وجدوى مقاومتنا أو التفافنا حول خيار المقاومة وخياراتها، إنما هو واقع انعكست تجلياته إلى ما هو أبعد من المفهوم العسكري للمقاومة، لقد أحدث الطوفان تغييرات في البنى القيمية والاجتماعية والسياسية على مستوى العالم، ليس من خلال إعادة موضعة القضية الفلسطينية كقضية مركزية فحسب، إنما عبر مساءلة الضمير الإنساني للعالم بأسره، وطرق أبواب لطالما كانت محظورة تبعا لعوامل القوى في العالم.

لقد منح الطوفان العالم مساحة يتعرى فيها الإنسان أمام نفسه، ويعري فيها أنظمة الاستبداد من حوله، وشكل محرضا لرغبات ظلت حبيسة على مدار عقود، كما استطاع أن يترجم ما كان أفكارا تحررية لا سبيل لتجسيدها على أرض الواقع، إلى سلوكيات، بدأت أقوالا ثم صارت أفعالا.

في واحد من خطابات الناطق باسم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، أبو عبيدة، قال إن "زمن انكسار الصهيونية قد بدأ"، وهو الشعار الذي لطالما أكدت عليه المقاومة الإسلامية في لبنان على لسان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، عندما قال مرارا "لقد ولى زمن الهزائم، وجاء زمن الانتصارات"، وفي هذين الشعارين ما يشير إلى أن للمقاومة كفعل، قدرة على التحكم بالزمن ومجرياته.

وبالنظر إلى الصهيونية التي "بدأت تنكسر" في زمن المقاومة أو زمن الطوفان، كفكرة لا تقتصر حدود تأثيرها على الأرض المحتلة فقط، إنما أيديولوجيا قائمة على المحو والإبادة والتحكم على مستوى العالم، يمكن مقاربة قرار الدولة اللبنانية مؤخرا بتقديم طلب للإفراج عن الأسير والمناضل الأممي جورج عبد الله من السجون الفرنسية، بعد 40 عاما من السكوت شبه التام عن ملف قضيته المنتهية منذ العام 1999، كواحدة من الهزائم التي "ولى زمانها" وحضر مكانها "زمن الانتصار"، الانتصار لعدالة قضية عبد الله، وللضمير الإنساني الذي قرر أخيرا أن يقف في وجه الظلم التاريخي الذي تعرض له، ولسيادة الدولة اللبنانية التي لعبت وما زالت فرنسا دورا بارزا في سياستها الداخلية.

من هو جورج عبد الله ولماذا تعتقله فرنسا؟

تقول المحامية فداء عبد الفتاح في لقاء خاص مع "تدوين"، إن "جورج عبد الله اعتقل في مدينة ليون الفرنسية في 1984، بتهمة حيازة جواز سفر جزائري رأت السلطات الفرنسية أنه مزور، ليتبين لاحقا أنه ليس كذلك، فالسلطات الجزائرية هي من منحت عبد الله هذا الجواز في تلك الفترة".

وتضيف: "حكمت السلطات الفرنسية آنذاك على عبد الله بالسجن الفعلي مدة 4 سنوات، لكن هذه الحجة لم تكن كافية بالنسبة لهم، وكون قضية جورج تزامنت مع تفجيرات حدثت في باريس عام 1986؛ تم تلفيق ملف إدانة لجورج عبد الله يتهمه بالضلوع في هذه التفجيرات"، مؤكدة على أن كلمة "تلفيق ملف" وردت على لسان رئيس جهاز الاستخبارات الفرنسي السابق بعد تقاعده، إذ قال: "إن السلطات الفرنسية لفقت ملف إدانة جورج عبد الله، بدليل أن من قام بالتفجيرات ألقي القبض عليه في وقت لاحق".

وبحسب سيرته الذاتية المنشورة على موقع "الحملة الدولية لإطلاق سراح جورج عبد الله"؛ ينحدر عبد الله من بلدة القبيات شمال لبنان، حيث ولد في الثاني من نيسان عام 1952، تبنى عبد الله الفكر الشيوعي، وانضم أواخر السبعينات لصفوف الحركة الوطنية اللبنانية، ثم التحق بالمقاومة الفلسطينية، كأحد أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الخارج.

وخلال الاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان عام 1978 أصيب جورج عبد الله خلال تصديه للعدوان في إحدى المعارك، وعام 1982، كان لعبد الله دور فاعل في صد جرائم حزب الكتائب اللبنانية في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين.

ولاحقا أسس جورج عبد الله الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية، اقتناعا منه بضرورة نقل المعركة مع الاحتلال وداعميه إلى قلب عواصم الدول الإمبريالية الداعمة للاستعمار، ونفذت الفصائل المسلحة بقيادته عدة عمليات نوعية في أماكن مختلفة، كان أبرزها اغتيال الدبلوماسي الأمريكي "تشارلز روبيرت"، والصهيوني "ياكوف بريس منتوف"، عام 1982 في باريس.

مسار سياسي وفضائح قانونية متتالية

فداء عبد الفتاح

تقول المحامية فداء عبد الفتاح في حديثها مع "تدوين"، إنه منذ تلفيق ملف الإدانة لجورج عبد الله، أخذت قضيته مسارا سياسيا بحتا لا علاقة له بالقانون، إذ أدين على أنه العقل المدبر للتفجيرات، وحكم بالسجن المؤبد (15 عاما وفقا للقانون الفرنسي)، انتهت مدته عام 1999.

وتضيف: "عام 1999 لم تفرج السلطات الفرنسية عن جورج عبد الله لحجج سياسية، بل ومارست فضيحة قانونية كبرى إذ شرعت قانونا عام 2008، عرف بقانون "داتي" الذي بموجبه يحق للسلطات عدم الإفراج عن أي سجين متهم بالإرهاب، على أن يتقدم مرة كل عام بطلب إفراج مشروط مرتبط بحسن سلوكه داخل السجن".

وترى عبد الفتاح أن الفضيحة القانونية الكبرى تتمثل في أن هذا القانون أجري له مفعول رجعي، من أجل أن يطبق على ملف جورج عبد الله، في حين أن القوانين لا مفاعيل رجعية لها، وبالتالي اعتبرت فرنسا أن قضية عبد الله تخضع لهذا القانون وأنه يحق لها عدم الإفراج عنه".

في السنوات الأولى، كان عبد الله رافضا مشروعية هذه المحاكمات، والطريقة التي تتعامل بها السلطات الفرنسية مع قضيته من الناحية القانونية، كما كان يرفض تقديم طلبات إفراج، إلا أنه وبعد ضغوط عائلية ومن أصدقائه والحملات المطالبة بالإفراج عنه في لبنان وخارجه، تقدم عبد الله بطلبات إفراج متعددة عددها 9 كان آخرها عام 2013، وكلها قوبلت بالرفض، لأسباب تندرج تحت الفضائح القانونية والسياسية والأخلاقية، إذ أن اللجنة التي كانت تسائل عبد الله في المحكمة كانت تطرح عليه أسئلة لا علاقة لها بقضيته، وفقا للمحامية.

مريض بحبه لفلسطين

تألفت لجنة "الفحص" من قضاة وأمنيين وأطباء نفسيين، وكانت تتفق بالإجماع على أن جورج عبد الله غير صالح للخروج من السجن؛ لأنه "مريض بحبه لفلسطين"، إذ كانت توجه له أسئلة من قبيل "ماذا كنت ستفعل إن كانت بلدك محتلة، ما هي فلسطين بالنسبة لك، هل ستعاود الانخراط في صفوف المقاومة إذا ما أفرج عنك".

ووفقا لعبد الفتاح، منذ العام 2013، لم يتقدم جورج عبد الله بأي طلب إفراج حتى حزيران 2023، وكان من المفترض أن يتم البت في قضيته في حزيران 2024 إلا أن شيئا لم يحدث.

وفي سياق تهمة "مرضه بحب فلسطين" قالت المحامية، إن "جورج يحافظ بشكل شبه دوري على الاتصالات مع رفاقه، وفي كل اتصال يكون سؤاله الأول عن فلسطين، وعن المخيمات وقضية الأسرى في سجون الاحتلال، ويوصي دائما بعدم تركهم"، مضيفة أن جورج يرى "أن كل نشاط يجري من أجل فلسطين هو نضال من أجله لأن جورج هو فلسطين".

في زمن الطوفان.. لبنان في مواجهة فرنسا

في الرابع عشر من حزيران الجاري، طالب وزير الثقافة اللبناني في حكومة تصريف الأعمال، القاضي محمد وسام المرتضى، خلال انعقاد مجلس الوزراء، بتوجيه طلب إلى السلطات الفرنسية لإطلاق سراح المناضل اللبناني جورج عبد الله.

وجاء طلب وزير الثقافة، بعد مطالبة السلطات الفرنسية، عبر وزارة العدل في لبنان، بتسليمها مواطنا جزائريا فرنسيا من أجل محاكمته أمام القضاء الفرنسي على خلفية جنائية.

وفي هذا الجانب، أوضحت المحامية فداء عبد الفتاح، عضو الحملة الوطنية للمطالبة بالإفراج عن جورج عبد الله، أن قرار الحكومة اللبنانية هذا انتظره أعضاء الحملة وأصدقاء عبد الله على مدار العقود الأربعة الماضية.

وبحسب عبد الفتاح، ليست هذه المرة الأولى التي تطالب فيها فرنسا بأشخاص فرنسيين، متهمين بارتكاب جرائم داخل لبنان أو خارجه، الذي بدوره سلمهم للسلطات الفرنسية، دون الإشارة إلى الاعتقال التعسفي الذي تمارسه السلطات الفرنسية بحق عبد الله.

وأرجعت المحامية الفضل في الآلية الجديدة لتعاطي الدولة اللبنانية مع ملف جورج عبد الله، إلى السابع من تشرين الأول، إذ قالت: "كل الواقع الذي نعيشه بعد السابع من أكتوبر يختلف تماما عما قبله، إذ أصبحت المقاومة بالسياسة، توازي العمل على الأرض".

وأشارت عبد الفتاح إلى أن السابع من أكتوبر أحدث نهضة في الشارع وعلى صعيد بعض المواقع السياسية بشكل غير مسبوق، ذلك أن المقاومة في لبنان كانت حاضرة دائما في مجلس الوزراء عبر نوابها ووزرائها، ودائما ما كانت تنظر إلى قضية جورج على أنها قضية حق، لكنها كانت تتعثر دائما في عقبة العلاقات بين الدولتين اللبنانية والفرنسية، إلا أن هذه المرة اعترفت الدولة اللبنانية في تقصيرها تجاه عبد الله، وتأخرها في طرح ملفه، وهو ما جاء على لسان وزير العدل مصطفى بيرم خلال جلسة مجلس الوزراء.

وترى المحامية وصديقة جورج عبد الله، أن انتصارات المقاومتين اللبنانية والفلسطينية هي من منحت الوزير بيرم هذا النفس في طرح القضية بهذا الشكل غير المسبوق، مؤكدة أن جورج عبد الله لن يتحرر إلا عبر هاتين المقاومتين.

من جانبه، قال د. روبير عبد الله، شقيق الأسير جورج عبد الله وعضو الحملة الوطنية للمطالبة بالإفراج عنه، في لقاء خاص مع "تدوين"، "نحن في الحملة نعتقد أن ميزان القوى في المنطقة تغير، وبالتالي دلالات هذا القرار في هذا التوقيت بالذات هي تعبير عن أن الاحتلال وداعميه من الغرب لم يعودوا أصحاب الكلمة الفصل في الصراع الدائر حاليا وبالتالي هم ملزمون عاجلا أم آجلا بالإفراج عنه".

روبير عبد الله

وفي أعقاب قرار مجلس الوزراء، أصدرت الحملة الوطنية لتحرير المناضل جورج عبد الله، بيانا قالت فيه: "توقفت الحملة باهتمام أمام قرار الحكومة اللبنانية تكليف وزارة العدل الطلب من السلطات الفرنسية الإفراج عن جورج بعد "أن أنهى محكوميته"، فالحملة طالما اعتبرت أن واجبات الدولة الدفاع عن مواطنيها، وخصوصاً تجاه مقاوم أمضى سنين عمره دفاعاً عن تحرير بلاده".

وتابعت: "إن الحملة الوطنية لتحرير المناضل جورج عبد الله، إذ ترى أن المقاومة في فلسطين ولبنان والمنطقة عموماً، باتت في موقع فرض الشروط على المحتل الإسرائيلي وداعميه، فهي تدعو الحكومة اللبنانية إلى الاستفادة من هذا الواقع للضغط على الحكومة الفرنسية للإفراج الفوري عن المناضل جورج عبد الله، بعدما بالغت في التنصل من كل ادعاءاتها حول دولة القانون وفصل السلطات، بفعل استمرارها في اعتقاله خلافاً للقانون الفرنسي بالذات".

وحول تأسيس الحملة قال روبير عبد الله: "تأسست الحملة الوطنية للمطالبة بالإفراج عن جورج عبد الله بعد سنوات من اعتقاله، وهدفت إلى الضغط على الحكومة الفرنسية من أجل إطلاق سراحه، ونشر قضيته أمام الرأي العام".

وبحسب عضو الحملة؛ "الأفراد والمجموعات والقوى المنضوية في إطار لجنة تحرير جورج عبد الله كلها من مشارب وطنية ومقاومة ولكن في سياق نضالهم لأجل تحرير جورج عبد الله، رمزية الأسير زادتهم صلابة وزادت فكرة التنسيق بين القوى ذات المصلحة المشتركة بدحر العدوان الصهيوني، عملا بقول المناضل جورج عبد الله "معا سننتصر، ولن ننتصر إلا معا".

وتعقيبا على قرار مجلس الوزراء اللبناني، قال شقيق الأسير جورج عبد الله، إن "قرار الدولة اللبنانية، متأخر لكنه يضغط على الحكومة الفرنسية ويظهر انحيازها للعدو الصهيوني إذا لم تستجب للإفراج الفوري عن الأسير جورج عبد الله".

وأكد عبد الله، على أن الحملة ستواصل بدورها "الضغط على الحكومة الفرنسية وفضحها أمام شعبها بالدرجة الأولى، وأمام العالم، مؤكدا أن مستجدات القضية منذ بدء طوفان الأقصى أخذت أبعادا أكثر جذرية وبدأت عملية المطالبة بالأسير جورج عبد الله تسير جنبا إلى جنب مع المظاهرات الشاجبة للعدوان الصهيوني".

مبادرات فردية على المستوى السياسي

في هذا السياق أشارت المحامية فداء عبد الفتاح إلى أنه قبل طوفان الأقصى جرت محاولات على المستوى السياسي لطرح ملف جورج عبد الله لكنها كانت محدودة وفردية، وتقول "عندما ترأس ميشال عون رئاسة الجمهورية (2016 –2022)، تلمسنا الفرج في قدومه، ذلك أنه مقرب جدا من فرنسا، وحليف للمقاومة في لبنان، وبالتالي كنا نرى أنه الأجدر في طرح هذه القضية بكل قوة، لكن ما حدث فترة توليه الرئاسة، مجرد مبادرة فردية قامت بها وزيرة العدل المحسوبة على التيار الوطني الحر، ماري كلود نجم، التي زارت جورج عبد الله بصفتها الشخصية وليست الرسمية، وهو ما صرحت به إعلاميا، مع الإشارة إلى أنه في حينها أخبرت رئيس الحكومة والجمهورية ولم يمانعا".

كما أن نجيب ميقاتي عندما كان رئيسا للحكومة (تولى منصبه عام 2021)، طرح هذا الملف لكن بشكل خجول، ولم يستجب لمطلبه أحد، وأغلقت الصفحة دون نتيجة.