الأحد  31 آب 2025

رسالة أبراهام السرفاتي إلى إيمانويل ليفين: مناهضة الصهيونية*

2025-08-31 01:12:50 AM
رسالة أبراهام السرفاتي إلى إيمانويل ليفين: مناهضة الصهيونية*
إيمانويل ليفيناس

تدوين-ترجمة: سعيد بوخليط

تقديم: تعتبر، بلا شكٍّ، مناهضة الصهيونية التقليد السياسي التحرُّري الأكثر كاريكاتورية وشجبًا في وقتنا الراهن، حسب لغة تزعم الثَّورية.

انخرط أبراهام السرفاتي، عبر هذا النص المكثَّف لأقصى حدٍّ، الصادر سنة 1970، في حوار مع إيمانويل ليفين الذي يتبنَّى العقيدة القبلانية ومناهض معروف للصهيونية.

خلافًا للأفكار المعهودة، أوضح أبراهام السرفاتي بأنَّ أفق فلسطين ديمقراطية وعلمانية ضمن حدود 1948، لا ينطوي على شيء معيَّن بخصوص إنكار التَّقاليد الثقافية والدينية، اليهودية والمسلمة. بالعكس، افتخر السرفاتي بتراثه اليهودي – العربي، مؤكِّدًا مدى الضَّرورة التي تقتضيها الثَّورة الاشتراكية في الشرق الأوسط بخصوص استعادة الإرث اليهوديّ المسيحيّ، الثقافي والإيتيقي المشترك بين "شعوب أهل الكتاب".

رأى السرفاتي، عكس التصوُّرات الماركسية - اللينينية الضيِّقة، في النِّضال الفلسطيني تفتُّقًا ممكنًا للقيم المجتمعية والدينية التي بوسعها إعادة إثارة إعجاب حركة عمالية غربية غارقة في "مياه جامدة كنهها حسابات أنانيّة".

هذه المساهمة القيِّمة بمثابة شهادة رائعة عن محاولات الشيوعيين العرب قصد التَّفكير في لاهوت التَّحرير الذي يدمج بين مقاومة الإمبريالية ومواجهة الهيمنة الطائفية.

أخي العزيز:

رغم عدم اتِّفاقنا على جميع الواجهات، فإنَّنا نظلّ إخوة على مستوى الصِّراع ضدَّ الصهيونية، وكذا الألم العميق المنبعث من داخلنا بعد يونيو 1967، ونحن نرى اليهودية، التي يستحيل إنكار جملة قيم قدَّمتها للإنسانية، تغذَّينا عليها، قد هيمنت عليها حاليًا هذه المؤسَّسة المتوحِّشة المعروفة بالصهيونية.

أضيف بأنَّي تأثَّرت كثيرًا بصرخة وفزع روجي بنحايم، اليهوديّ الجزائريّ الذي يعيش الاغتراب، أضحت معها حياتي حلمًا بخصوص الأخوَّة البشريَّة، هنا بين أحضان هذا العالم العربي الذي يظلُّ بيته، رغم المنفى.

يجدر بنا، نحن اليهود الذين يرفضون الصهيونية عبر كل بقاع العالم، المساهمة فعليًا في المشروع الثَّوري ضدَّ الدولة الصهيونية، وتعضيد مجهود الثُّوار العرب حتى لا نسقط في فخِّ العنصرية، والمبادرة نحو جعل سعي من هذا القبيل ثوريّا حقًا بالنسبة إلى العالم العربي، ومن خلال ذلك المشاركة في نضال البشرية قاطبة قصد اقتلاع أسس اضطهاد عريق بلغ أوجه تحت وطأة الإمبريالية.

مثلما قلتم، تنكشف، بالمواجهة الحرَّة والممارسة العملية، حقيقة مناهضة الصهيونية بالنسبة لليهود الذين خدعتهم الصهيونية وغرَّرت بهم، وجلّ من أدرك وعيه عبر سبل مختلفة الجريمة التي تقترفها الصهيونية ضدّ اليهودية وكذا الإنسانية.

لذلك، يلزمني أن أستعيد ثانية بعض انتقاداتكم للاشتراكية وتوضيح مثلما انطوى عليه مضمون دعوتكم، مفهوم فلسطين علمانية، موحَّدة وديمقراطية، كجزء من العالم العربي.

1- هل يمكننا، بخصوص الاشتراكية، أن نضع ضمن نفس السياق إنجاز الاشتراكية الفعلي منذ خمسين سنة على امتداد العالم، رغم جوانب قصورها الإنساني، ثم عالم يتعفَّن نتيجة الإمبريالية؟ نقاش يستدعي انضمام الصهاينة الذين ينظِّمون في الوقت الراهن حملة كبيرة مناهضة للاتحاد السوفياتي إلى "يهود الصمت"، والدَّعوة بهذا الخصوص نحو انعقاد مؤتمر في لندن.

 عموما، استطاعت الاشتراكية إنهاء العنف المُمَارَسِ على اليهود في روسيا، وكذا تضحيات شعوب الاتحاد السوفياتي باعتبارها معطى أساسيًا من أجل سحق النازية. إزاء العنصرية التي تنمحي فقط تدريجيًا من البنيات الثَّقافية المرسِّخة لها، يستحضر الملاحظون الموضوعيون التحوُّلات الجذرية التي شهدها الاتحاد السوفياتي، كما الشأن مع تقرير ورد على صفحات جريدة لوموند خلال شهر مايو، رغم عدم تفويته فرصة بَثِّ نزعة مناهضة للاتحاد السوفياتي، استطلاع انصبَّ موضوعه على واقع الشعوب المسلمة في آسيا الوسطى، تطوُّرها الاقتصادي والثقافي، وانتفاء كل تمييز عرقي أو ديني، ثم التعايش بين اليهود والمسلمين.

بالتأكيد، يرتبط تحلُّل الدولة بتغيرات بنيوية ثقافية عميقة توطَّدت على امتداد عهود من الجور، تحوُّلات تبنَّتها الثورة السوفياتية ثم تبلورت مساهمات جديدة مع الثورة الصينية، ومعركة الفيتناميين، والسَّعي الكوبي. هذا المشروع بمثابة عمل ملقى على كاهل الأجيال، يقتضي اقتلاع جذور بنيات اقتصادية نواتها استغلال الإنسان من طرف الإنسان، وكخطوة أولى التخلُّص من الإمبريالية على المستوى الدولي التي تشكِّل عنصرا ثابتًا فيما يتعلق بالاضطهاد والفساد.

 فيما يتعلق بنا معا، يستحيل، في إطار الصراع ضدّ الصهيونية، تجاهل ارتباطات الأخيرة مع الإمبريالية، ثم وحدة نضال القوى الاشتراكية في كل العالم ضدّ الصهيونية والإمبريالية. يلزمنا بين طيات هذه الوحدة الحفاظ على استقلالية تقييمنا وكذا سلوكنا.

فعلا، قد يشكِّل المشروع الثوري الذي بوسعه التحقُّق داخل العالم العربي، مع مشاركة اليهود المناهضين للصهيونية، مثالًا بالنسبة للعالم فيما يتعلق باستئصال العنصرية وكذا حمولته النوعية المهمّة بخصوص بناء مجتمع عادل يركِّز على النُّهوض بالإنسان. مما يحتِّم علينا كيهود يناضلون ضد الصهيونية تعميق معنى هذا البناء.

2- أعتقد، من جهتي، بأنَّ الانخراط في الثَّورة العالمية، والثَّورة العربية على وجه التَّحديد، ليس كـ"شعب يهودي". موقف يكمن ضمن سبيل تجاوزنا لـ"الدولة اليهودية"، بل أيضًا مفهوم الجماعة الثقافية المتسامية والمتعالية عن باقي الجماعات القومية. أفضى تصوُّر من هذا القبيل إلى "الشعب اليهودي"، ثم شعور "التفوُّق اليهودي"، من ثمَّة تعضيد الصهيونية. مآل يتعارض مع التطوُّر التاريخي للإنسانية. بالتأكيد، الرَّافد النَّوعي لـ"القضية اليهودية" داخل العالم الأوروبي، وحاليًا أكثر زخما في العالم العربي، يتحدَّد ويتبلور عبر تجاوز مجموع التَّناقضات الاجتماعية التي تستلب الإنسان والثورة عليها.

 ليست الحقبة التاريخية التي نعيشها حاليا، مثلما يدَّعي البعض، محوا للخصوصيات القومية، بل ضرورة تطويرها ضمن المجموعات القومية الأخرى بغية العمل على تقويض قيود الرَّأسمالية والإمبريالية وتهيئ عالم متآخي، من خلال حوار بين مختلف الثقافات على قدم المساواة.

نساهم، تحديدا كيهود، في إرساء هاته المجموعات القومية على أسس ثورية، ليس كـ"شعب يهودي" منعزل عنها ويرغب في التخلُّص منها، لكن في إطار بسط هذه الخاصية الثُّنائية للقومي واليهودي وإدماجهما معا في البناء. لا يعني الاندماج محوًا، بل، مثلما كتبتُ سابقًا: "تجديد فعلي لقيمنا التقليدية الأساسية، وإعادة التعبير عنها بكيفية حديثة".

يتيح ازدهار البشرية، في إطار تعدُّدية قومياتها، تآلف العالم الإنساني الذي يحتاج إلى إعادة البناء، وتبرز فرضياته الصراعات الثورية.

يجب على اليهودية، قصد استمرارها وفيَّة لقيمها الأساسية، التمسُّك بإمكانية إعادة التبلور في إطار هذا المجال المتعدِّد قوميًا.

تكمن، بالضبط، إحدى سمات الثورة العربية في التماسها تعبيرًا جديدًا من خلال طبيعتها نفسها. الجواب الخاطئ عن "المسألة اليهودية"، ما رفضه ماركس في دراسته لهذه الإشكالية تحت عنوان "الدولة السياسية". إنّها دولة الديمقراطية البورجوازية حيث الإنسان مُحَطَّم.

تعبِّر القيم الجوهرية لليهودية، كما الشأن مع الإسلام، عن تطلُّعات المجتمعات الطائفية القروية نحو ازدهار الإنسان عموما.

المجتمع الأوروبي، الذي تحمَّل هيمنة الرأسمالية بكيفية أكثر عمقًا، في إطار ما يسمَّى بـ"الثقافة الغربية"، انفصل جسده عن ماهية ذلك الجوهر. تحديدا، ما كشف عنه ماركس في الجزء الثاني من دراسته "المسألة اليهودية"، تحت مصطلح "اليهوديّ الفعليّ" داخل المجتمع الرأسمالي الأوروبي، في تعارض مع "يهوديّ السبت"، تصنيف اعتبره بعض الكتَّاب ذوي النيّات السيّئة منشورا معاديا للسامية.

إذا وجب انتقاد التَّضليل الدِّيني كما يوظِّفه مستغلُّو البشر، فمن الخطأ الاعتقاد بدعوة الاشتراكية إلى ضرورة النِّضال ضدَّ ما سماه ماركس "فكر الأزمنة دون فكر" (الدين) قصد ضمان هذا الانبعاث الإنساني، بينما أكَّد في نفس الدراسة: "لا يمكن للفكر الديني أن يكون فعلا زمنيا. بالتالي، ما دلالته غير كونه صيغة غير زمنية بخصوص تطوُّر الفكر الإنساني؟ يتجسَّد الفكر الديني فقط إذا تجلَّى وتشكَّل مستوى تطوُّر الفكر البشري الذي يعبِّر عنه ضمن منحاه الزَّماني". إذن، في أيِّ شيء يختلف المفهوم عن النموذج اليهودي والإسلامي بخصوص تحقُّق مملكة الله فوق الأرض؟

 يدرج المجتمع العربي المعاصر، حين إعادة بنائه الثوري، ثقافة جديدة منبثقة من مكتسب ثقافي سابق، يمكنه حينها ضمان "صياغة تعبير معاصر" عن انبعاث إنساني هيَّأته، على غير هدى، المجتمع والثقافة البورجوازيتين، بنيات مجتمعية موصولة أساسًا بذلك المكتسب الثقافي.

 فيما يتعلق بالماضي المشترك اليهودي - الإسلامي داخل العالم العربي، كتب شيلومو دوف غويتن بين صفحات عمله اليهود والعرب (منشورات مينوي، دراسة قيِّمة حول الماضي المشترك اليهودي العربي رغم خلاصة ميَّزها طابع استلاب غربي):

 "تشكَّل الإسلام بين طيَّات اليهودية. إنَّه، إذا جاز القول، بمثابة إعادة سبك وتمديد لها، تحديدا مثلما ترتبط اللغة العربية مع العبرية بكيفية وثيقة. لم تتمكَّن اليهودية من استلهام الحضارة السائدة مع الاحتفاظ، في الآن ذاته، على استقلالها وتماسكها، على نحو يسير للغاية، سوى حقبة المجتمع الهليني في الإسكندرية أو العالم المعاصر".

 لم تصادف قط اليهودية نفسها ضمن علاقات وثيقة جدًا، وحالة من التعايش والخصوبة، إلا فترة مجتمع العصر الوسيط للإسلام العربي. استمرَّ هذا الماضي حيّا على مستوى الحياة اليومية للمجموعات اليهودية في العالم العربي غاية تشرذم تلك المجموعات جرَّاء السيطرة الصهيونية. هل يوجد رمز أفضل من عيد ميمونة الذي مَثَّل تاريخيا في المغرب احتفال صداقة وأخوّة يهودية - إسلامية؟ أولى الآلام التي أشارت إلى نهاية عيد الفصح كانت، ولا زالت، متاحة من طرف المسلمين نحو إخوتهم اليهود. يوضِّح هذا الفعل الشعبي، أفضل من أيِّ دراسة، إعادة التعبير فعليًا بخصوص المحتوى الأخوِيِّ الإنساني للكتاب المقدَّس في أرض كنعان، واستبعاد الأصول القبلية والعنصرية.

 هذا ما يعنيه بالنسبة إليّ، وأنا مقتنع كذلك بالنسبة للثوَّار العرب الواعين، مهما كان أصلهم الديني، موضوع "دولة فلسطينية مستقلّة وديمقراطية"، يتمتَّع تحت سلطتها جميع المواطنين، مهما اختلفت عقائدهم، بنفس الحقوق، داخل هذه "الدولة" باعتبارها ضمن مكوِّنات الوطن العربي، و"يلزمها المساهمة بفعالية في بناء مجتمع عربي تقدُّمي وموحَّد" (برنامج حركة فتح).

 أوضحتُ، في الجزء الثاني من دراستي حول "الثقافة والتقدُّم العلمي"، بأنَّ مفهوما من هذا القبيل يعيد الحياة إلى المحتوى الإنساني والتقدُّمي للثقافة العربية قصد طرحه على مستوى بناء المستقبل، وفي نفس الوقت يضمر، بطريقة أخرى، تقدُّما أفضل، ضمنه العلمي، مقارنة مع العالم الرأسمالي وكذا "ثقافته الغربية" المنحطّة.

أخي العزيز،

 تحدثتُ كثيرًا. أضمُّ إلى الرسالة الحالية بعض الوثائق حول النِّضال ضدّ الصهيونية في المغرب. ستلاحظون بأنَّه بقي، غاية الحقبة المعاصرة، عشوائيًا دون تراكم. تناولتُ بالتحليل بعض المبرِّرات عبر فقرات دراسة تصدر خلال شهور. يتبدَّى حاليًا تركيزنا على هدف تجلّى سلفا بالنسبة للعالم العربي، وينبغي مواصلة هذا النضال وعدم توقُّفه.

 أخي العزيز،

 هي مجرّد بذرة معركة مشتركة، وينبغي لنا، بهذا الصدد، تنظيم المعلومة المناهضة للصهيونية بين صفوف طائفة يهودية تبدَّدت شخصيتها أكثر فأكثر جرَّاء تأثيرات الاستعمار والصهيونية.

 إنَّ الاعتراف بجهودكم، صحبة مختلف اليهود المناهضين للصهيونية في العالم، يمثِّل عنصرا أساسيًا فيما يتعلَّق بمساعينا.

تحياتي الأخويَّة.

 الرباط، 25 يونيو 1969

ثانيا: جواب إيمانويل ليفين

أخي العزيز وصديقي،

 أشعر بتحسُّر لأنّنا لم نلتق، لكنّ رسالتكَم أسعدتني حقًا. أرغب، منذ فترة طويلة، كي أتواصل مع أشخاص أتقاسم معهم نفس الديانة، ينحدرون من بلدان عربية. فلماذا لا يجيبون على دعوتي التي تصبُّ تماما نحو وجهة اهتماماتهم الفورية، عكس الفعل الصهيوني الذي يستهدف ضياعهم وتدمير طوائفهم المزدهِرة سابقًا؟

 يلزم التحلِّي بكثير من الصَّبر بهدف تحقيق الأمنيات، لاسيما مع استمرار الاعتقاد بالمسيح (أو المشيح) قوام الإيمان اليهودي.

 تشغل اهتمامي جلّ الوثائق التي أترقَّبها منكم، وسأبادر قصد تداولها بين الأصدقاء.

 أيضًا، أنا مهتمٌّ جدًا بحيثيات مفهومكَم عن فلسطين عربية وديمقراطية، قدر إيماني بأنَّ مصير اليهود والعرب يكمن في التَّعاون بهدف وضع مرتكزات مفهوم حول اشتراكية أكثر إنسانية وروحية.

 إسرائيل في غير حاجة، بتاتا، إلى تأسيس دولة، بل يلزمها فقط تخصيب دول الآخرين بحضورها.

 وجود دولة يهودية في فلسطين معناه، حينها، صعوبة اكتساب ثقة العرب، ونغدو موضوع شبهة. لذلك يلزمنا، أوَّلا، توجيه نضالنا ضد الإيديولوجية الصهيونية، ما دام انتصارنا سيشكِّل حائلا دون تدفُّق كثير من الدَّم العربي واليهودي.

 الدولة الصهيونية قنبلة تهدِّدنا جميعا بالتَّدمير، مما يحتِّم علينا ضرورة نزع فتيلها بأن نوضِّح للجماهير اليهودية طبيعة الوجهة التي تأخذهم الصهيونية نحوها، المتنافية مع مصالحهم، وتعمل فقط على استغلال قضيتهم من أجل تحقيق مصالح الرأسمالية.

 إذا نجحنا في إلغاء دولتنا، سنقدِّم للعالم نموذجا مثيرا، ويظهرنا شعبا ثوريا يُقتدى بمرجعيته.

 أساس مهمَّتنا تقديم الدَّليل حول إمكانية تحرُّر وطن من الدولة والإقليم كي يأخذ بُعدا عالميا.

إيمانويل ليفين

(ولد إيمانويل ليفين في باريس سنة 1928، من أبٍ وأمٍّ فرنسيين ينحدران من أصول روسية وبولونية. انكبَّ على دراسة الحاخامية، ثم تبنَّى العقيدة القبلانية، وأنجز عدَّة مؤلَّفات أهمّها: اليهودية ضد الصهيونية، أنطولوجية صغيرة حول التصوُّف اليهودي، لغز الكلمة الإلهية إلوهيم، قابيل وهابيل، كابالا في ألفها…).

هوامش:

 Revue Tsedek: 1970 La (*)

 دَبَّجَ المقدِّمة وإشارات الهامش رئيس تحرير المجلة.

 1- بخصوص هذا المقطع، كتب أبراهام السرفاتي في رسالة أخرى:

''تدركون أهميَّة ذلك، فقد انتقد ماركس "اليهودي الواقعي"، من خلال تعارضه مع جوهر اليهودية، وكذا يوم السبت، مثلما انتقد تمثُّل حقيقة الدين عموما، في تعارض مع كنهه. تبدو من الأهمِّية بمكان، عدم السماح باستمرار التباس من هذا القبيل، في وقت يتعرَّض التيار الثوري لخطر الصهيونية وكذا التأثُّر بالعنصرية نحو اليهودي. ضمن هذا السياق، عاينتُ مجموعة من الطَّلبة الشباب يتناولون كمرجع كتابا فلسفيا عنوانه ''من أجل معرفة فكر كارل ماركس'' مُقَرَّرٍ لتلاميذ الثانوي، ألّفَه هنري لوفيفر الذي يدَّعي الماركسية، موظِّفا مصطلح الهذيانات في فقرة كرَّسها لهذا النص الماركسي''.

المقصود بالنص الشهير دراسة ماركس حول ''المسألة اليهودية'' ومناقشته لتحليلات برونو باور غير المعروف كثيرا. ستكون هناك فرصة أخرى للحديث ثانية عن هذا الموضوع، لأنَّه طرح نقدا موضوعيا صارما للمجتمع اليهودي يصعب دحضه: جوهر اليهودية فصلها الشعب اليهودي عن باقي البشرية – الوجود المُمَيَّز، الأنانيّ، كما الشأن مع البورجوازي. فكيف لهذا الشعب إبداء شكواه جراء التعامل معه بكيفية مختلفة؟ يلتقي اليهودي والبورجوازي بناء على صلات جوهرية: كائنات مختارة، مُفَضَّلة، متميِّزة، متفوِّقة. اليهودي بورجوازي روحي مثلما البورجوازي يهودي اجتماعي. وأخيرا، ينتهي الأمر باليهودي والبورجوازي كي ينصهرا ضمن نفس الكائن والتماهي مثلما يبدو واضحا في وقتنا الرَّاهن. كتب ماركس: "اليهودي، الذي يجد نفسه مثل عنصر نوعي داخل المجتمع البورجوازي، لن يعمل سوى على التَّجسيد بكيفية خاصة ليهودية المجتمع البورجوازي".

''لقد تحرَّر اليهودي بطريقة يهودية، صار سيِّد السوق المالي، ثم بواسطته وعن طريقه، أضحى المال قوَّة عالمية، والفكر العملي اليهودي فكرا عمليا للشعوب المسيحية. تحرَّر اليهود ضمن نفس سياق أصبح خلاله المسيحيون يهودا''.

''مبدأ المجتمع البورجوازي، الضرورة العملية، والأنانية". إنَّه أيضا: ''أساس الدين اليهودي" (المسألة اليهودية، ص 50-52).

بناء على وجهة النظر هاته، لا أتبَيَّن كيفية تدمير المجتمع البورجوازي دون الاصطدام بالمجتمع اليهودي. بمعنى ثان، كيف نصير ثوريين دون الظُّهور بمظهر ''المعادين للسامية''؟

أيضا يُصَنَّفُ الإله، موسى، والأنبياء، والتوراة ضمن خانة ''المعادين للسامية'' حين اشتعالهم غضبا ضدَّ الشعب اليهودي الذي يعشق العجل الذهبي وتهديده بالإفناء.

كذلك، يمكننا الدِّفاع عن تصوُّر قوامه المفاضلة مبدأ للحياة والإبداع، تحمَّل الشعب اليهودي مسؤولية تجسيده، وتشخيصه ثم الاحتفاظ عليه، وبأنَّ تمثُّله وكذا اختفاءه بمثابة تدمير لعنصر الحياة النَّوعي، سيادة الكمِّي وكذا الإنسان ذي البعد الواحد.

أوضح أبراهام السرفاتي بأنَّ ماركس نفسه أقام تمييزا بين اليهودي الجوهري، يهودي يوم السبت، ثم اليهودي الفعلي. بديهي أنَّ اليهود النَّموذجيين، حيث العالم بالنسبة إليهم مجرَّد صفقة، ليسوا باليهود الأصليين: يهود يوم السبت، المتصوِّفة، الزبور، الذين انفصل وجودهم عن كل انشغال طارئ ولا يطرحون مشاكل اجتماعية وسياسية. لكن اليهود الفعليين هم عائلات روتشيلد، داسو، مارسيل بلانشيت، ليفيتان، تجَّار شارع القاهرة أو فوبورغ سانت أنطوان، ثم أكثر من ذلك بن غوريون، موشي دايان، غولدا مائير وكل ما هو إسرائيلي. هؤلاء فعلا هم اليهودية واليهود.

اليهود البورجوازيون أكثر بورجوازية بكيفية لانهائية من البورجوازيين غير اليهود، بحكم تأثير طبيعتهم الدينية: تجلَّت معهم أخطاء ورذائل البورجوازية، حسب قوة صوفية جعلتها مطلقة. معطيات نلاحظها بشكل خاص أكثر مع الدولة الإسرائيلية التي خلقتها البورجوازية العالمية اليهودية: كل دولة بمثابة أداة للاستغلال والهيمنة، لكن بشكل كبير دولة إسرائيل، الدولة المطلقة، الدولة الإلهية: مسموح لها كل شيء دون التجرُّؤ على أن يُرفض لها أمر، بحيث يلزم العالم برمَّته الامتثال لمطالبها. لهذا السبب تثير أكثر، وبكيفية لانهائية، تمرّد وكراهية ضحاياها. بمعنى ثان، تبعث مناهضة السامية في خضم دعوتها قصد التصدِّي لها!

حدَّد التَّقليد الصوفي اليهودي، القبالة أو القبلانية، تمييزا بين اليهود الأساسيين – إسرائيل الحقيقة، شعب الفقراء، الرحيمة والمسالِمة، في غياب أيِّ طموح أرضي، وانشغال الجميع بدراسة وتطبيق التوراة مثل ''ناطوري كارتا'' (حركة حرَّاس المدينة)، ثم اليهود المزعومين، إسرائيل الزَّائفة، و''إيريف راف'' (الجمهور المختلط)، مجتمع الأثرياء والممتلئين، الأشرار المتوحِّشين، الغزاة المهيمنين، أسياد وزعماء الطائفة اليهودية، المدعوين للاختفاء آخر الزمان مثلما أخبرنا ''كتاب الزوهار''، ''إنجيل القبلانية''. فهناك إسرائيل ثم إسرائيل.

2- صدرت دراسة شيلومو دوف غويتن ضمن صفحات آخر أعداد مجلة أنفاس ''من أجل الثورة الفلسطينية'' تحت عنوان ''اليهودية المغربية والصهيونية''. تضمن نفس العدد دراسة ثانية لنفس الكاتب: "هل تمثِّل الدولة الإسرائيلية وطنا؟''.

في إشارة سير-ذاتية، جاء التأكيد على أنَّ أبراهام السرفاتي ولد سنة 1926 في الدار البيضاء، مهندس مناجم، وأستاذ في المدرسة المحمدية للمهندسين في الرباط، ومناضل بين صفوف الحركة الوطنية منذ 1944.